ابراهيم بن عمر البقاعي
87
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فمضى وقطع رأسه في الحبس وجاء به في طبق وأعطاه للصبية ، فأخذته الصبية ودفعته لأمها ؛ وسمع تلاميذه فجاؤوا ورفعوا جثته وجعلوها في قبر ؛ قال متى : وجاء تلاميذه فأخذوا جسده ودفنوه ، وأتوا فأخبروا يسوع ، فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفردا ، فسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدن ، فلما خرج أبصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم وأبرأ أعلّاءهم ومرضاهم انتهى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 44 إلى 50 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 ) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) ولما أتى نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته ، لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالما قط - صادق لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن اللّه سبحانه وتعالى ، وكان من حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان ، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت العتي فقال : ذلِكَ أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ أي نجدد إيحاءه في أمثاله إِلَيْكَ في كل حين ، فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوما على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة ، ويجوز أن تكون الجملة حالا تقديرها : وَ الحال أنك ما كُنْتَ ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في قوله : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيها على أنه مما يستغرب